فصل: تفسير الآيات (33- 34):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (33- 34):

{قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}
{أنبئهم} معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وقد يحذف حرف الجر أحياناً، تقول نبئت زيداً.
قال سيبويه: معناه نبئت عن زيد. والضمير في {أنبئهم} عائد على الملائكة بإجماع، والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم.
قال أبو علي: كلهم قرأ أنبئهُم بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن عامر، أنبئِهم بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به.
قال أبو عمرو الداني: وقرأ الحسن والأعرج: أنبيهم بغير همز.
قال ابن جني: وقرأ الحسن {أنبهِم}، على وزن أعطهِم، وقد روي عنه، {انبيهم} بغيرهمز.
قال أبو عمرو: وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس.
قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن،{أنبهم} كأعطهم فعلى إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول أنبيت كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر.
قال بعض العلماء: إن في قوله تعالى: {فلما أنبأهم} نبوة لآدم عليه السلام، إذ أمره الله أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل.
ويجوز فتح الياء من إني وتسكينها.
قال الكسائي: رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزه فتحوها.
قال أبو علي: كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى: {ولا تفتني ألا} [التوبة: 49] وقوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152]، والذي يخف، {إني أرى} [الأنفال: 48، يوسف: 43، الصافات: 102] و{أجري إلا على الله} [يونس: 72، هود: 29، سبأ: 47].
وقوله تعالى: {أعلم غيب السموات والأرض} معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته وما في موضع نصب بأعلم.
قال المهدوي: ويجوز أن يكون قوله: {أعلم} اسماً بمعنى التفضيل في العلم، فتكون {ما} في موضع خفض بالإضافة.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإذا قدر الأول اسماً فلابد بعده من إضمار فعل ينصب {غيب}، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلاً مضارعاً أخصر وأبلغ.
واختلف المفسرون في قوله تعالى: {ما تبدون وما كنتم تكتمون} فقالت طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع.
وحكى مكي أن المراد بقول {ما تبدون} قولهم: {أتجعل فيها} الآية.
وحكى المهدوي أن {ما تبدون} قولهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه.
وقال الزهراوي: ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم.
واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر، ويتوجه قوله: {تكتمون} للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع، وقال قتادة: المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه،- {وإذ} من قوله: {وإذ قلنا} معطوف على {إذ} المتقدمة.
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته و{قلنا} كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: {للملائكةُ اسجدوا} برفع تاء للملائكة إتباعاً لضمة ثالث المستقبل.
قال أبو علي: وهذا خطأ.
وقال الزجاج: أبو جعفر من رؤساء القرأة ولكنه غلط في هذا.
قال أبو الفتح: لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفاً ساكناً صحيحاً، نحو قوله تعالى: {وقالت اخرج عليهن} [يوسف: 31] والسجود في كلام العرب الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل]: [الطويل]
ترى الأُكْمَ فيهِ سُجَّداً للحوافرِ ** وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود.

قوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع.
واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس: تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك لله.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة.
وقال الشعبي: إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام.
وحكى النقاش عن مقاتل: أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه.
قال: والقرآن يرد على هذا القول.
وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا.
وقوله تعالى: {إلا إبليس} نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً وملكاً على سماء الدنيا والأرض، والأرض، واسمه عزازيل، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكاً.
وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال: واسمه الحارث.
وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً، وتعبد وخوطب معها، وحكاه الطبري عن ابن مسعود: والاستثناء على هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة للملائكة: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.
ورجح الطبري قول من قال: {إن إبليس كان من الملائكة}. وقال: ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة.
وقوله عز وجل: {كان من الجن ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها، قال تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} [الصافات: 158].
وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام: [الطويل]
وسخّر من جن الملائك تسعة ** قياماً لديه يعملون بلا أجْرِ

أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصريّ، لما كان خازناً عليها، و{إبليس} لا ينصرف لأنه اسم أعجمي معرف.
قال الزجاج: ووزنه فِعْليل.
وقال ابن عباس والسّدي وأبو عبيدة وغيرهم: هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه، وأجروه مجرى إسحاق من أسحقه الله، وأيوب من آب يؤوب، مثل قيوم من قام يقوم، ولما لم تصرف هذه-ولها وجه من الاشتقاق- كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته وشذوذه، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج: [الرجز].
يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا ** قال نعمْ أعرفه وأبلسا

أي تغير وبعد عن العمار والإنس به ومثله قول الآخر: [الرجز]
وفي الوجوه صفرة وإبلاس

ومنه قوله تعالى: {فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] أي يائسون عن الخير مبعدون منه فيما يرون و{أبى} معناه امتنع من فعل ما أمر به، و{استكبر} دخل في الكبرياء، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده.
وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر، وشح آدم في آكله من شجرة قد نهي عن قربها.
حكى المهدوي عن فرقة أن معنى {وكان من الكافرين}: وصار من الكافرين.
وقال ابن فورك: وهذا خطأ ترده الأصول.
وقالت فرقة: قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه الله بهم وجعله منهم، لما فعل في الكفر فعلهم.
وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول: وكان من الكافرين معناه: من العاصين.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت.
وروي أن الله تعالى خلق خلقاً وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار، ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك فسجدوا.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والإسناد في مثل هذا غير وثيق.
وقال جمهور المتأولين: معنى {وكان من الكافرين} أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة.
وذهب الطبري: إلى أن الله أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوته ومع تقدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم، واختلف هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالماً بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر جهلاً: قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال كفر عناداً قال: كفر ومعه علمه، قال: والكفر عناداً مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن شاء. ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم اسكن.

.تفسير الآيات (35- 36):

{وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)}
{اسكن} معناه لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن، و{أنت} تأكيد للضمير الذي في {اسكن}، {وزوجك} عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من زوجة، وقد تقدم، و{الجنة} البستان عليه حظيرة، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم، هل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟ وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها.
واختلف متى خلقت حواء من ضلع آدم عليه السلام؟ فقال ابن عباس حين أنبأ الملائكة بالأسماء وأسجدوا له ألقيت عليه السنة وخلقت حواء، فاستيقظ وهي إلى جانبه فقال فيما يزعمون: لحمي ودمي، وسكن إليها، فذهبت الملائكة لتجرب علمه، فقالوا له يا آدم ما اسمها؟ قال: حواء. قالوا: ولم؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي، ثم قال الله له: {اسكن أنت وزوجك الجنة}.
وقال ابن مسعود وابن عباس أيضاً: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشاً، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصيرى، ليسكن إليها ويستأنس بها، فلما انتبه رآها، فقال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، وحذفت النون من {كلا} للأمر، والألف الأولى لحركة الكاف حين حذفت الثانية لاجتماع المثلين وهو حذف شاذ، ولفظ هذا الأمر ب {كلا} معناه الإباحة، بقرينة قوله: {حيث شئتما} والضمير في {منها} عائد على {الجنة}.
وقرأ ابن وثاب والنخعي {رغْداً} بسكون الغين، والجمهور على فتحها، والرغد العيش الدارّ الهنيّ الذي لا عناء فيه، ومنه قول امرئ القيس: [الرمل].
بينما المرء تراه ناعماً ** يأمن الأحداث في عيشٍ رَغَدْ

و{رغداً} منصوب على الصفة لمصدر محذوف وقيل: هو نصب على المصدر في موضع الحال، و{حيث} مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، ومن العرب من يعربها حسب موضعها بالرفع والنصب والخفض، كقوله سبحانه: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} [الأعراف: 82، القلم: 44] ومن العرب من يقول حوث، و{شئتما} أصله شيأتما حوّل إلى فعلتما تحركت ياؤه وانفتح ما قبلها جاء شائتما، حذفت الألف الساكنة الممدودة للالتقاء وكسرت الشين لتدل على الياء فجاء شئتما.
قال القاضي أبو محمد: هذا تعليل المبرد، فأما سيبويه فالأصل عنده شيئتما بكسر الياء، نقلت حركة الياء إلى الشين، وحذفت الياء بعد.
وقوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} معناه لا تقرباها، بأكل، لأن الإباحة فيه وقعت.
قال بعض الحذاق: إن الله لم أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مثال بين في سد الذرائع.
وقرأ ابن محيصن هذي على الأصل، والهاء في هذه بدل من الياء، وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير هذه، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرة معينة واحدة، أو إلى جنس.
وحكى هارون الأعور عن بعض العلماء قراءة {الشِّجرة} بكسر الشين و{الشجر} كل ما قام من النبات على ساق.
واختلف في هذه {الشجرة} التي نهى عنها ما هي؟
فقال ابن مسعود وابن عباس: هي الكَرْم ولذلك حرمت علينا الخمر.
وقال ابن جريج عن بعض الصحابة: هي شجرة التين.
وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وعطية وقتادة: هي السنبلة وحبها ككلى البقر، أحلى من العسل، وألين من الزبد.
وروي عن ابن عباس أيضاً: أنها شجرة العلم، فيها ثمر كل شيء.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا يصح عن ابن عباس.
وحكى الطبري عن يعقوب بن عتبة: أنها الشجرة التي كانت الملائكة تحنك بها للخلد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ضعيف.
قال: واليهود تزعم أنها الحنظلة، وتقول: إنها كانت حلوة ومُرَّت من حينئذ.
قال القاضي أبو محمد وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها، وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى.
وقيل إن هذه الشجرة كانت خصت بأن تحوج آكلها إلى التبرز، فلذلك نهي عنها فلما أكل منها ولم تكن الجنة موضع تبرز أهبط إلى الأرض.
وقوله: {فتكونا} في موضع جزم على العطف على {لا تقربا}، ويجوز فيه النصب على الجواب، والناصب عند الخليل وسيبويه أن المضمرة، وعند الجرمي الفاء، والظالم في اللغة الذي يضع الشيء غير موضعه، ومنه قولهم: من أشبه أباه فما ظلم ومنه المظلومة الجلد لأن المطر لم يأتها في وقته، ومنه قول عمرو بن قمئة: [الكامل]
ظلم البطاح بها انهلالُ حريصةٍ ** فصفا النطافُ له بعيدَ المقلعِ

والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها الشرك، ثم ظلم المعاصي وهي مراتب، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله: {ولا تقربا} على جهة الوجوب، لا على الندب، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالماً، فاقتضت لفظة الظلم قوة النهي، و{أزلهما} مأخوذ من الزلل، وهو في الآية مجاز، لأنه في الرأي والنظر، وإنما حقيقة الزلل في القدم.
قال أبو علي: {فأزلهما} يحتمل تأويلين، أحدهما، كسبهما الزلة، والآخر أن يكون من زل إذا عثر.
وقرأ حمزة: {فأزالهما}، مأخوذ من الزوال، كأنه المزيل لما كان إغواؤه مؤدياً إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف في الكيفية، فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: {وقاسمهما} والمقاسمة ظاهرها المشافهة.
وقال بعضهم: إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه في حاله، فقال: يا آدم ما أحسن هذا لو أن خلداً كان، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه، فقال: هل أدلك على شجرة الخلد؟.
وقال بعضهم: دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية، بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية، فخرج إلى حواء وأخذ شيئاً من الشجرة، وقال: انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت، ثم أغوى آدم، وقالت له حواء: كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما، وحصلا في حكم الذنب، ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم في كل شهر، وكذلك تحملين كرهاً، وتضعين كرهاً، تشرفين به على الموت مراراً. زاد الطبري والنقاش: وتكونين سفيهة، وقد كنت حليمة.
وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». والضمير في {عنها} عائد على {الشجرة} في قراءة من قرأ {أزلهما}، ويحتمل أن يعود على {الجنة} فأما من قرأ {أزالهما} فإنه يعود على {الجنة} فقط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره فأكلا من الشجرة.
وقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعاً على جميع جنسها.
وقال آخرون: تأولا النهي على الندب.
وقال ابن المسيب: إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فكان في غير عقله.
وقوله تعالى: {فأخرجهما مما كانا فيه} يحتمل وجوهاً، فقيل أخرجهما من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا. وقيل: من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يتقارب.
وقرأ أبو حيوة: {اهبُطوا}بضم الباء.
ويفعُل كثير في غير المتعدي وهبط غير متعدٍّ. والهبوط النزول من علو إلى أسفل.
واختلف من المخاطب بالهبوط، فقال السدي وغيره: آدم وحواء وإبليس والحية.
وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة.
قال غيره: والحية لأن إبليس قد كان أهبط قبل عند معصيته.
و{بعضكم لبعض عدو} جملة في موضع الحال، وإفراد لفظ {عدو} من حيث لفظ {بعض}، وبعض وكل تجري مجرى الواحد، ومن حيث لفظة {عدو} تقع للواحد، والجمع، قال الله تعالى: {هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] {ولكم في الأرض مستقر} أي موضع استقرار قاله أبو العالية وابن زيد.
وقال السدي: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة، وحديث، وأنس، وغير ذلك. وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل]
وقفتُ على قبرٍ غريب بقفرة ** متاع قليل من حبيب مفارق

واختلف المتأولون في الحين هاهنا فقالت فرقة: إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا، وقالت فرقة: {إلى حين} إلى يوم القيامة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. ويترتب أيضاً على أن المستقر في الدنيا أن يراد بقوله: {ولكم}، أي لأنواعكم في الدنيا استقرار ومتاع قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة، والحين المدة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان والالتزامات سنة.
قال الله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25] وقد قيل: أقصرها ستة أشهر، لأن من النخل ما يثمر في كل ستة أشهر، وقد يستعمل الحين في المحاورات في القليل من الزمن.
وفي قوله تعالى: {إلى حين} فائدة لآدم عليه السلام، ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد.
وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب وأن حواء نزلت بجدة، وأن الحية نزلت بأصبهان، وقيل بميسان، وأن إبليس نزل على الأبلة.